محمد هادي معرفة

23

صيانة القرآن من التحريف

اعتبار بشأنها أصلا ، والأكثر إنّما هو من هذا القبيل ، كما سنوضّح إن شاء اللّه . القرآن ولغة التحريف لم يستعمل القرآن لفظ التحريف في سوى معناه اللغوي ، أي التصرّف في معنى الكلمة وتفسيرها على غير وجهها المعبّر عنه بسوء التأويل أو التفسير بالرأي . وهو تحريف معنوي ليس سواه . وقد أسبقنا الكلام عن قوله تعالى : « يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ » « 1 » قوله : « عَنْ مَواضِعِهِ » أي بعد أن كان الكلام مستعملا في معناه الحقيقي الظاهر فيه بنفسه أو المستعمل فيه بدلالة القرائن المعهودة ، فجاء التحريف بعد ذلك خيانة في أمانة الأداء والبلاغ . وفي قوله تعالى « مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ » « 2 » تصريح بهذا المعنى ، حيث التحريف إزاحة للّفظ عن موضعه الذي هو معناه . وفي سورة البقرة : « وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ » « 3 » أي جاء تحريف المعنى إلى ما أرادوه بعد علمهم بالمعنى الحقيقي المراد الذي كان على خلاف مصالحهم فيما زعموا . ومن ثمّ فهو من سوء التأويل كما عبّر عنه الطبرسي ومن قبله الشيخ في التبيان . قال : فالتحريف يكون بأمرين : بسوء التأويل وبالتغيير والتبديل . « 4 » أي بتغيير لهجة الكلام بحيث يتغيّر المعنى بذلك ، كما جاء في سورة آل عمران 3 : 78 . وقال الشيخ محمد عبده : من التحريف تأويل القول بحمله على غير معناه الذي وضع له ، وهو المتبادر ، لأنّه هو الذي حملهم على مجاحدة النبي صلّى اللّه عليه واله وإنكار نبوّته . ولا يزالون يؤوّلون البشارات إلى اليوم . « 5 » أي المتبادر من لفظ التحريف في هذه الآيات هو

--> ( 1 ) - النساء 4 : 46 ؛ المائدة 5 : 13 . ( 2 ) - المائدة 5 : 41 . ( 3 ) - البقرة 2 : 75 . ( 4 ) - التبيان ، ج 3 ، ص 470 . ( 5 ) - المنار ، ج 5 ، ص 140 .